محمد بن جرير الطبري
533
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) [ سورة الأعراف : 27 ] وقد قال الله لنبيه عليه السلام : ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ ) إلى آخر السورة . ثم ذكر الأخبار التي رُويت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الشيطان يجري من ابن آدمَ مَجرى الدم ( 1 ) . ثم قال ابن إسحاق ( 2 ) : وإنما أمرُ ابن آدم فيما بينه وبين عدوِّ الله ، كأمره فيما بينه وبين آدم . فقال الله : ( فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) [ سورة الأعراف : 13 ] . ثم خلص إلى آدم وزوجته حتى كلمهما ، كما قصَّ الله علينا من خبرهما ، فقال : ( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) [ سورة طه : 120 ] ، فخلص إليهما بما خلص إلى ذريته من حيث لا يريانه - فالله أعلمُ أيّ ذلك كان - فتابا إلى ربهما . * * * قال أبو جعفر : وليس في يقين ابن إسحاق - لو كان قد أيقن في نفسه - أن إبليس لم يخلص إلى آدم وزوجته بالمخاطبة بما أخبر الله عنه أنه قال لهما وخاطبهما به ، ما يجوز لذي فهم الاعتراضُ به على ما ورد من القول مستفيضًا من أهل العلم ، مع دلالة الكتاب على صحة ما استفاض من ذلك بينهم . فكيف بشكّه ؟ والله نسأل التوفيق . * * *
--> ( 1 ) حديث " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " - حديث صحيح جدًّا - رواه أحمد والشيخان وأبو داود ، من حديث أنس ، ورواه الشيخان وأبو داود وابن ماجة ، من حديث صفية ، وهي بنت حيي ، أم المؤمنين ، كما في الجامع الصغير : 2036 . ( 2 ) في المطبوعة إسقاط : " ثم " .